موفق الدين بن عثمان
561
مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )
وقالوا : مجنون ، فقام الخواص وجاء إلى عندي ، وجعل يواسينى ثم قال : هل تأكل شيئا ؟ فقلت : بعد المغرب . فقال : أحسنتم يا أهل الابتداء ، أنتم على هذا تفلحون . ثم قام ، فلما صلّينا العشاء الأخيرة جاءني بقصعة فيها عدس ، ثم جاءني برغيفين من خبز البرود ، ودورق من الماء ، قال : فوضعتهم ناحية ، ثم جلست أحادثه ، فقال لي : دع الكلام وكل . قال : فأكلت الرغيفين والعدس ، ثم قال لي : هل لك في الزيادة ؟ قلت : نعم . فجاءنى بقصعة أخرى ورغيفين ، فأكلت الجميع ، وشربت الماء ، ونمت إلى الصباح ، ولم أقم تلك الليلة ، ولم أطف ، فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال لي : « يا بنان ، من أكل بشره أعمى اللّه عين قلبه » « 1 » . قال : فانتبهت وعقدت مع اللّه ألّا أشبع بعد هذه الرّؤيا . وروى عن ابن القاسم غلام « بنان » قال : كنت يوما عند « بنان » فخرج من منزله ، فلقى أبا جعفر الطحاوىّ ، فقال له : أنا قاصد إلى منزلك يا « بنان » ، فرجع « بنان » معه ، وترجّل الطحاوي عن دابته ومشى معه ، فنزع « بنان » نعليه وقال : « ترجّل لي وترجّلت له » . وروى ابن حمزة قال : كان أبو الحسن « بنان » جالسا عندي على طرف حانوتى « 2 » وأنا في صدر الحانوت ، فبينما نحن جلوس إذ أقبل رجل من أهل اليسار راكبا على بغلة وعليه ثياب حسنة ، فترجّل عن دابته ودخل إلىّ في صدر الحانوت ، وقال : أريد من إحسانك أن تسأل لي هذا الشيخ أن يدعو لوالدتى فإنها مريضة من حمّى لا تفتر عنها . قال : فقلت : يا أبا الحسن ، إن هذا الرجل ذكر لي أنّ والدته مريضة من حمّى لا تفتر عنها ، وسألني أن أسألك الدعاء لها .
--> ( 1 ) في « م » : « من أكل شره عمى » هكذا . وما أثبتناه هو المذكور في المراجع التي ترجمت له . ( 2 ) الحانوت : محل التجارة .